الصفحة الرئیسیة

 

 فــي انتظـــار العاصفـــة...

مقال ستراتيجي مهم: فــي انتظـــار العاصفـــة...
أحمد الشرقاوي - 05/06/2013م

تعتبر المقاومة في عقيدة حزب الله من الثوابت الشرعية التي لا تخضع للمساومة. وإذا كانت المقاومة وسيلة لا غاية في حد ذاتها، بإعتبار أن الغاية بالنهاية هي إنجاز التحرير، فإن حزب الله الذي تأسس سنة 1982، عمل خلال العقود الثلات الماضية من خلال محورين رئيسيين: المحور الأمني العسكري والمحور السياسي، بحيث يعتبر الثاني مكملا للأول وداعما له. وبهذا المعنى، استطاع حزب الله من خلال بيئته المحلية الحاضنة و تحالفه المتين مع محور المقاومة في المنطقة (سورية – إيران – العراق) من جهة، وعمله السياسي على المستوى اللبناني من جهة أخرى، أن يوفر الدعم المعنوي و المالي و اللوجيستي والعسكري و السياسي الوطني (معادلة الشعب والجيش والمقاومة)، الذي منحه القوة والغطاء الشرعي لتحقيق أهدافه، وأهمها تحرير الأرض و الدفاع عن لبنان ضد مغامرات الصهيوني المعتدي إلى أن أصبح اليوم يشكل قوة ردع ضد العدو الإسرائيلي وتعتبره مخابرات المعسكر الغربي أقوى منظمة مسلحة في العالم على الإطلاق.

وبسبب عجز إسرائيل عن اجتثات حزب الله من الجنوب اللبناني خلال حرب تموز 2006، وخروج الحزب منتصرا فيها، ما عزز موقعه الداخلي وموقفه الدولي، بدأ الحديث بعد ذلك عن استراتيجية “تشابك البحار” التي كانت تحضر لها إيران لتضم في إطار محور الممانعة والمقاومة كل من إيران، العراق، سورية، و لبنان، بالتنسيق مع روسيا و الصين.

هذه الفكرة أرعبت الإدارة الأمريكية والحكومة الصهيونية والقوى الغربية الأطلسية بالإضافة إلى تركيا ومشيخات الخليج على حد سواء، ما ترتب عنه الإنكباب على إعداد مخطط بديل يهدف إلى إفشال هذا المسعى من خلال تدمير وتفتيت سورية وضرب المقاومة في لبنان ثم تقسيم العراق وخنق إيران حد الإستنزاف، على أمل أن تقوم ثورة داخلية لإسقاط النظام من الداخل وصعود طبقة المعتدلين التي تراهن عليها الإدارة الأمريكية لتغيير السياسة الإيرانية في اتجاه التموقع داخل القطب الأمريكي الأطلسي بالتحالف مع تركة لمحاصرة روسيا والصين معا. وفي حال لم تقم هذه الثورة بمناسبة الإنتخابات الحالية، فمخطط ضربها قبل متم عام 2013 لا يزال موضوع على الطاولة في واشنطن وتل أبيب والحلف الأطلسي.

ولقطع الطريق أمام أية إمكانية لقيام هذا الحلف السياسي والعسكري والأمني والإقتصادي الكبير الذي يهدد مكانة الولايات المتحدة في العالم ويجبرها على النزول من عرش هيمنتها على مقدرات الدول والشعوب في شمال إفريقيا والشرق الأوسط وشرقي آسيا، فجرت أمريكا ما أسمته بـ”الثورة” السورية في إطار مسلسل “الربيع العربي”، وحشدت لها الدعم السياسي والمالي والإعلامي.

وإذا كان للثورة فلسفة، فقد تبين أن فلسفة الثورة السورية تقوم على الذبح والقتل والنهب والسلب والخراب.. وإذا كان للثورة من أهداف، فقد اصبح واضحا للجميع أن أهداف الثورة السورية هي إسقاط النظام وتدمير الدولة وتعمزيق الوطن وتقسيمه إلى دويلات طائفية.. وإذا كان للثورة من قيادة، فإن قيادة الثورة السورية تتولاها الإدارة الأمريكية بالتحالف مع إسرائيل والتعاون مع مخابرات الأطلسي وتركية والسعودية وقطر والأردن.. وإذا كانت للثورة من أبطال، فإن أبطال الثورة السورية هم عصابات التكفيريين مليشيات الإجرام القادمين من كل أصقاع الأرض. وإذا كانت الثورة تحولت من سلمية إلى مسلحة بسبب تعنت النظام ورفضه القيام بإصلاحات، وفق ما يزعمون، فقد تبين العكس تماما، وتأكد للشعب السوري قبل غيره، أن من سلحوا الثورة لم يكن هدفهم الإصلاح أو الحرية والديمقراطية المزعومة.

لأنه بقبول الرئيس الأسد إجراء إصلاحات جوهرية على طبيعة النظام، خاصة لجهة إنهاء احتكار حزب البعث للحكم ووصايته على الشعب والدولة، وتعديل الدستور، والإنفتاح على مزيد من الحرية السياسية و الديمقراطية الشعبية، بضغط من إيران وحزب الله و روسيا، سارعت الإدارة الأمريكية لعسكرة الثورة مخافة أن يُفشل المسار السياسي الداخلي المخطط الصهيوأمريكي، فاندلعت الأحداث الدامية في مختلف مناطق البلاد بفضل الطابور الخامس الذي تم تحريكه في الداخل السوري، ودعمه تباعا وبشكل تصاعدي، بعناصر مقاتلة من الخارج، شكلت العصابات التكفيرية الممولة من قبل السعودية وقطر و المدربة في تركيا والأردن وايبيا وتونس ومصر بعد ذلك أبرز مكوناته. وهو ما مكن من إضعاف موقف النظام السوري على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي إلى حد كبير، وتسبب في فقدانه لعديد أوراق المبادرة سواء منها السياسية أو الأمنية أو العسكرية على الأرض، بسبب تصاعد هجمات المقاتلين في مختلف مدن وقرى سورية، واستيلائهم بسرعة كبيرة على مناطق واسعة من البلاد أصبحت خارج سلطة الدولة، فساد الإضطراب كل المؤسسات، بما فيها الأمنية والعسكرية، خصوصا بعد اغتيال رئيس المخابرات وقادة عسكريين كبار وسط دمشق، فعم الخوف شرائح واسعة من الشعب السوري، منهم من نزح داخليا ومنهم من لجأ إلى دول الجوار (الأردن، تركية، لبنان).

وفي الوقت الذي كان المال الخليجي يتدفق بلا حساب، والإنشقاقات جارية على قدم وساق، والجامعة العربية تستجدي التدخل العسكري لوضع حد لمعاناة الشعب السوري الذي يذبح من قبل النظام، كما كان يروج لذلك، وفي الوقت الذي كانت الفبركات الإعلامية لإمبارطوريات البروباغاندا العالمية تنشط ليل نهار لكي الوعي العربي والعالمي في اتجاه اتخاد موقف داعم للثورة السورية ضد النظام الديكتاتوري في سورية، مرتكزة في خطابها التضليلي على فبركات إعلامية لمجازر يرتكبها المقاتلون وتنسب للنظام، وكانت المظاهرات المدفوعة الأجر تخرج في العديد من العواصم العربية والغربية لتندد ببشار الأسد وتدعم الثورة المسلحة الشعبية وتطالب بطرد السفراء، وفي الوقت الذي كان النفخ على أشده في نار الفتنة المذهبية يعم برامج الحوارات على الفضائيات و يتصدر عناوين الجرائد والمواقع الإلكترونية، وكانت فتاوى القتل والذبح والخراب ومناصرة المستضعفين من أهل السنة الذين يذبحهم النظام العلوي النصيري الموالي لإيران وحزب الله تصدر بسخاء من “فقهاء” جهلة وأغبياء… في هذا الوقت، كان حلفاء سورية الذين تفاجئوا بسرعة وخطورة تطورات الأوضاع، يدرسون ما يحدث على الأرض، ويجمعون المعلومات، وينسقون فيما بينهم لجهة وضع مخطط كفيل بقلب المعادلة العسكرية على الأرض السورية، وإفشال المؤامرة الكونية التي كانت تستهدفهم تباعا الواحد تلو الآخر. وهذا الأمر تطلب أكثر من سنة من جمع المعلومات والدراسة والتخطيط التكتيكي والإستراتيجي، وفي ذات الوقت كانت روسيا والصين تعرقلان أي قرار بالتدخل العسكري على مستوى مجلس الأمن لربح الوقت بدل أن يحل بسورية ما حل بليبيا وقبلها العراق.

فجأة، وفي أقل من ثلاثة اشهر، أنقلب المشهد رأسا على عقب، فعم الذهول، وتصاعد الصراخ والنواح والعويل والبكاء، وتكاثرت تصريحات الإدانة والإحتجاج من أعلى مراكز القرار في العالم.. بعد أن أدركو حجم الهزيمة وهول الكارثة التي حلف بحلف الفاشلين من حيث لم يكونوا يحتسبون.. فما الذي حدث بالضبط؟…

أمريكا كانت تقول أن حمص تحولت إلى “بنغازي” بالنسبة للثورة السورية.. وزير خارجية بريطانيا وفرنسا حذرا النظام من الهجوم على حمص معقل الثورة السورية.. أردوغان خرج ليعلن رسميا من على منبر البرلمان التركي أنه لن يسمح للجيش السوري باستعادة حمص مهما كلف الأمر لأنها عاصمة الثورة السورية… لكن النظام لم يكن يهتم بحمص ولا الثورة ولا هذا النوع من خطاب الخداع، لأن المعلومات كانت تقول أن هذه التصريحات هي مجرد تضليل في تضليل.. كما أن نشر الباتريوت على الحدود التركية السورية لا علاقة له بما يدور في سورية بل بما يعد لإيران.. أما الحشود الإسرائيلية على جبهة الجولان فكانت مسرحية استعراضية، كما أن وصول كوماندوس من المارينز و نخبة الجيش البريطاني والفرنسي المتخصصة في السلاح الكيماوي إلى الأردن مباشرة بعد الحملة التصعيدية التي كانت تتهم النظام السوري باستعمال الكيماوي ضد شعبه، وسماح الأردن للطائرات الإسرائيلية باستعمال أجوائه لضرب سورية، كانت كلها بالونات إلهاء ليس إلا.. حلف المنتصرين كان يعلم أن الحرب الكونية الكبرى تم الإعداد لها ضد سورية ولبنان في نفس الوقت، لكن في مكان آخر غير حمص.. هذا المكان دخل التاريخ العسكري الحديث باسم “معركة القصير الكبرى”.

اتخذ القرار بهجوم استباقي قبل الساعة المقررة من قبل حلف الفاشلين.. حزب الله قضى أزيد من ستة أشهر يجمع المعلومات الإستخبارية ويدرس المنطقة ويضع الخرائط والخطط، وقد ساعده في ذلك قدرته الإستخباراتية العالية التي هزمت إسرائيل، جيث نجح في فك شيفرات الإتصالات السرية، فكان يتابع أولا بأول ما يجري ويدور في المنطقة بين عملاء المخابرات والمقاتلين على الأرض، وكان له مندسين في الجيش الحر يمدونه بالخرائط والكمائن والأنفاق.. حتى الكمائن حضرتها إسرائيل بحيث زرعت المتفجرات مموهة بشكل يحاكي البيئة الطبيعية ما يصعب أمر إكتشافها، في حين حفرت الأنفاق على امتداد 15 و 18 كلم في شتى الإتجاهات تحت مدينة القصير.

كان واضحا أن المخابرات الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية والتركية والقطرية والسعودية والأردنية تعمل انطلاقا من شمال لبنان لتحضر للمعركة الكبرى انطلاقا من القصير، وكانت الخطة تهدف إلى هجوم مباغث من ثلاث محاور على حزب الله، من الشمال اللبناني في اتجاه الضاحية من قبل جبهة النصرة بعد أن تم تجهيز الصواريخ الإسرائيلية والمنصات، ومن مدينة القصير بالشرق صوب الضاحية من قبل الجيش الحر وفلول التكفيريين، ومن الجولان وشمال فلسطين باتجاه الضاحية غربا وشمالا من قبل الجيش الصهيوني بموازات مع قصف سجادي جوي مركز.

وكان الهدف يتمثل في ذبح شيعة الجنوب للقضاء نهائيا على بيئة حزب الله الحاضنة بعد أن تم عزلها عن عمقها السوري وقطع طرق الإمدادات التي كان يعتمدها حزب الله في التزود بالسلاح من سورية. وكان الهجوم المخطط له يستهدف فيما يستهدف تدمير الأنفاق التي يختبأ فيها حزب الله في الجنوب، وتفجير مخازن الصواريخ الرئيسية للحزب المتواجدة قرب منطقة القصير.. والهجوم بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة على معاقل الحزب في الضاحية. هذه الكماشة كان من شأنها وفق المخطط، القضاء على حزب الله، فيما يتم تكثيف هجوم التكفيريين على دمشق من ناحية الغوطة الشرقية و ريف حمص، وريف درعة، حيث كانت جحافل الإرهابيين المدربين في الأردن وتركية تستعد لتشتيت جهود الجيش السوري في الداخل حتى لا يتسنى له مناصرة حزب الله في لبنان.

ووفق ما كشفه الإعلامي حسين مرتضى الذي واكب معارك الجيش في الغوطة الشرقية وريف إدلب وريف حمص وأخيرا في منطقة القصير، فإن اسرائيل اعدت هذه المنطقة لتكون نسخة طبق الأصل لإستراتيجية حزب الله نفسه التي استعملها في حرب لبنان 2006 ضدها. وكان الإعتقاد أن حزب الله لا يملك مخططا بديلا يمكنه من تجاوز إستراتيجيته القائمة على حرب العصابات.. لكن حزب الله فاجأهم هذه المرة باستراتيجية جديدة، يقول خبراء غربيون أنها ستدرس في المعاهد العسكرية لسنوات قادمة. فما الذي حصل بالضبط؟..

طوق الجيش السوري مدينة القصير من الجنوب والشرق والغرب وترك شمال المدينة كمخرج للمدنيين والتكفيريين الذين يرغبون في تسليم أنفسهم.. وفي الوقت الذي كان العالم يتابع ما بدى أنه تكتيك كلاسيكي سينتهي بدخول الجيش إلى المدينة حيث سيقع في الفخ القاتل الذي كان ينتظره.. توقف الجيش فجأة عن التقدم.. وانسحبت العديد من عناصره لمسافة 10 و 15 كلم بعيدا عن المدينة فيما ظل في المحيط قلة من القناصة والدبابات.. في هذا الوقت كانت عناصر حزب الله والجيش السوري الذي انخرط في تكتيك حرب العصابات يطهرون القرى والمناطق المجاورة على شعاع 50 كلم من مركز المدينة، فافشلوا خطة المصيدة المتمثلة بخروج المقاتلين من الأنفاق ومباغثة الجيش حال هجومه على مدينة القصير لضربه من الظهر بعد قطع الدعم عنه.. تم تفكيك الألغام من قبل فرق الهندسة، وفجرت الأنفاق وقتل من قتل واعتقل من اعتقل في القصير وريفها وتمت السيطرة على مطار الضبعة كآخر معقل يمكن أن يهرب منه المجرمون.. وذات الخطة استعملت في الغوطة الشرقية وريف حمص وريف إدلب في انتظار تطهير مدينة القصير ليتم تطهير مدينة حمص القديمة ومدينة إدلب مما تبقة من قطعان الإرهابيين.

هذا المخطط المذهل أفشل خطط قوى الشر العسكرية وأصابهم بالجنون، فسارع أوباما للإتصال شخصيا بملك السعودية وأمير قطر وملك الأردن ليطالبهم بنجدة القصير وضخ المزيد من الإرهابيين والسلاح لإنقاذ ما يمكن انقاذه، لكن الوقت كان قد فات، لأن كل طرق الإمدادات من تركية والأردن ولبنان قطعت بالكامل، وتمت محاصرة الإرهابيين في دوائر ضيقة حيث يتلقون ما يستحقون من نار بلا رحمة، ومن يستسلم يسجن ويحقق معه لإنجاز ملف يقال اليوم أنه كنز من الأسرار تمتلكه سورية، وسقط العديد من عملاء المخابرات الغربية والدولية.

وبالتزامن مع صرخة أوباما، خرج وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا ينددان بتدخل حزب الله في الشأن السوري، وتدخل الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيسة مجلس حقوق الإنسان الدولي للبكاء على أطلال القصير والتهديد بمحاكة حزب الله والجيش السوري على جرائم الحرب، وتصاعدت نداءات الإستغاثة من المعارضة في إسطنبول وبيانات التنديد والتهديد لحزب الله بالويل والثبور وعظائم الأمور… وبقية المعزوفة معروفة للجميع، إلى أن أجهضت روسيا قرارا في مجلس الأمن بشأن إدانة سورية بسبب ما سمي بجرائم حرب ارتكبها هو وحزب الله في القصير، ما اعترضت عليه روسيا متسائلة عن سر صمت هذه المنظمة عن الجرائم التي ارتكبها التكفيريون عندما دخلوا قبل سنتين مدينة القصير، وخاصة حين قاموا بتفجير مستشفى القصير الوطني فانهار على من فيه من أطباء وممرضين ومرضى من دون أن تنبش منظمة حقوق الإنسان الدولية ببنت شفة.

اليوم يمكن القول أن المرحلة الأولى من الحرب الكونية الدائرة في سورية قد انتهت بانتصار الدولة السورية (نظاما وجيشا وشعبا)، بعد تم إفشال أخطر مخطط صهيوأمريكي كان يهدف ضرب حزب الله وإسقاط النظام في دمشق وتفتيت سورية الدولة والوطن وتحويلها إلى إمارات للطوائف والمذاهب.. وما تبقى من أيام الحرب هي لعمليات تطهير موضعية مريحة، ستكون مدينة حمص مركزها المقبل ثم إدلب فالشمال السوري على الحدود مع تركية.. ويقدر خبراء أن مدة ثلاثة أشهر على أقصى تقدير كافية لقطع دابر الإرهاب والإرهابيين بعد أن تم التحكم في المنافذ الحدودية الرئيسية (لبنان، الأردن، تركية).

اليوم يمكن القول ذلك، أن نبوءة ثعلب السياسة الأمريكية “هنري كيسنجر” قد بدأت تتحقق عندما قال لصحيفة أمريكية قبل عدة أشهر، أنه يعرف بيت ‘آل الأسد’ وأنه لم يهزمه يوما في السياسة أحد في العالم غير الرئيس الراحل ‘حافظ الأسد’، وعندما سأل عن توقعاته بالنسبة للحرب الكونية التي تدور في سورية، قال: “أتوقع أن ينتصر ‘بشار الأسد’ بسبب ذكائه وعقيدة الجيش والتفاف الشعب السوري حوله”. وهذا ما أكدته المخابرات الأمريكية قبل أسبوع وما أكده حلف شمال الطلسي في تقرير له أمس، حيث قال أن 70% من الشعب السوري يدعمون اليوم الرئيس بشار الأسد، و20% لا موقف لهم بعد، فيما 10% فقط هم مع المتمردين. هذا معناه نهاية شرعية “المعاضة” الخارجية العميلة وسقوط وهم فرض السلام بالشروط الأمريكية. لذلك قال الرئيس بشار الأسد في حواره الأخير مع قناة المنار “ما سيحدث في مؤتمر ‘جنيف 2′ لا يغير شيئا على الأرض السورية”.. وبكلمة مختصرة و مفيدة، أراد الأسد أن يقول: “لقد انهار الوهم.. وهم إسقاط النظام وتقسيم الوطن و وهم فرض السلام معا”.

اليوم يمكن القول أن وعد السيد حسن نصر الله بالنصر بدأ يتحقق وهذه تباشيره الأولى. لكن الحرب لم تنتهي بعد إلا في مرحلتها الأولى.. نقول المرحلة الأولى بالرغم من أنها الأصعب من عمر الأزمة.. ما يعني أن حلف الفاشلين لن يستسلم، ليستكين، ويتنازل.. أبدا… بل هناك مرحلة ثانية ستكون خارجية بالتأكيد.. وبالتالي فالعاصفة قادمة لا محالة.

وهذه المرة يتوقع أن تكون حربا إقليمية تشمل سورية ولبنان وإيران والعراق. ومن هنا تبرز المخاوف، وتتجلى هذه المخاوف من خلال هذا الانقلاب الواضح وحالة الاصطفاف الجديدة التي تعيشها المنطقة بمظلات لاعبين دوليين. لإن فشل معركة قطع الطريق امام نشوء محور ايراني عراقي، أوصلت الولايات المتحدة واسرائيل والدول المتحالفة معهما وعلى رأسهم تركيا والسعودية الى حقيقة مؤلمة تتضح ملامحها يوما بعد يوم، وهي ملامح نشوء محور روسي صيني ايراني عراقي سوري لبناني لن يكون بالامكان تجاهله، وهو محور قوي وصاحب تأثير كبير للغاية، كما سبق وأن أشرنا في البداية. كما ان هذا المحور الصاعد يحقق مردودا مهما لروسيا والصين، من خلال عقود توريد الاسلحة الضخمة بين روسيا والعراق وسورية وإيران.

كما أن نصف انتاج النفط في ايران تبتاعه الصين، وتمتلك إيران اليوم ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم ورابع أكبر احتياطي مؤكد من النفط. أما العراق فتأتي في المرتبة الثانية من حيث الاحتياط النفطي بعد السعودية. أما بالنسبة لسوريا ولبنان، فالحديث عن وجود حقول للغاز امام سواحلها والدور الذي يمكن أن تلعبه الشركات الروسية والصينية وامكانية تحولها الى ممر لانابيب الغاز القادمة من ايران عبر العراق اتجاه شواطىء سورية. جميع تلك الحقائق تساهم في جعل هذا المحور الناشىء والتحالف الصاعد متماسكا بدرجة كبيرة لا يمكن زعزعته.

غير أن أمريكا ترفض إعادة حساباتها والقبول بتقاسم النفوذ مع روسيا والصين وترك هذا المحور المقاوم يتنامى ويأخذ مزيدا من القوة والمنعة، لذلك تصر الإدارة الأمريكية وإسرائيل على التصعيد. فها هو نائب الرئيس الأمريكي ‘جون بايدن’ يقول أمس السبت 01/06/2013: “لقد آن الأوان لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات (كردية في الشمال، وسنية في الوسط، وشيعية في الجنوب)”. والسبب هو محاولة تحقيق ما فشلت فيه أمريكا في سورية، أي عزل إيران عن سورية بتقسيم العراق.. ومعاقبة هذا البلد على مساندته لسورية اقتصاديا ومنع تدفق الإرهابيين من حدوده إلى الشام..

ولعل كشف العراق هذا الأسبوع عن ضبط خلية إرهابية وبحوزتها غاز ‘السيرين’ المعد للتفجير بواسطة طائرات صغيرة (لعب أطفال) يتم التحكم فيها بـ”الريموت كونترول”، واعتزامها القيام بعمليات إرهابية في أوروبا وأمريكا، وتزامن هذا مع اعتقال خلية إرهابية بداية هذا الشهر بتركية وبحوزتها كمية 12 ايتر من غاز ‘السيرين’، بالإضافة لضبط المخابرات السورية لخلية ثالثة وبحوزتها نفس السلاح الكيماوي، واكتشاف المخابرات البريطانية لكتيب تم توزيعه على نطاق واسع في أوروبا ونشر على النت، يطالب الجهاديين في أوروبا وأمريكا بعدم القدوم إلى سورية والإكتفاء بالقيام بعمليات فردية في مواطنهم ضد الحكومات الصليبية، يعتبر رسائل واضحة ومشفرة لمن يهمهم الأمر، ومفادها أن الحرب من خلال الإرهاب لن تقتصر في المقبل من الأيام على الملعب السوري، بل ستنتقل إلى معقل المتآمرين لتشمل دول المنطقة وأوروبا وأمريكا. هذه الرسائل المتتالية أقلقت المخابرات الغربية بشكل جدي، واعتبرتها إنذار لما يمكن أن تكون عليه الصورة في حال قررت هذه الدول التصعيد في سورية من خلال تسليح المعارضة وضخ المزيد من التكفيريين.

اسرائيل من جهتها تتقن فن اللعب على أوتار الازمات والتسلل عبر التصدعات العربية العربية من أجل تحقيق رغباتها وتمرير خططها. وتعتبر اسرائيل المرحلة الراهنة التي يعيشها العالم العربي، من أفضل المراحل لترجمة سياساتها وبرامجها سواء فيما يتعلق بالصراع مع الفلسطينيين، والبحث عن حلول انتقالية تدير الصراع لسنوات طويلة قادمة، أو فيما يتعلق بالموضوع اللبناني والسوري والايراني، والاستعداد لأي مواجهة مقبلة. وفي هذا السياق كشفت صحيفة ‘المنار’ المقدسية اليوم الأحد 02/06/2013، أن هذه التحركات الإسرائيلية تأتي لاغلاق وانجاز الكثير من التفاهمات والاتفاقيات الامنية مع دول في المنطقة لتسهيل مهامها وتحركاتها العسكرية المستقبلية.

ووفق مصادر وصفتها الصحيفة بالموثوقة، فإن اسرائيل تسعى إلى استغلال حالة الاصطفاف الحاد في العالم العربي للتوصل الى تفاهمات أمنية سرية بالغة الأهمية لتأمين العديد من مسارات الطائرات الاسرائيلية لمهاجمة ايران، وتقف السعودية على رأس هذه الدول. وترى المصادر ذاتها أن مهمة اسرائيل في ذلك لن تكون صعبة خاصة وأن اسرائيل تعتبر ايران عدوة مشتركة لها وللسعودية، كما أن هناك قيادات تعتبرها القيادات الاستخبارية والسياسية في اسرائيل قيادات متنورة يقف على رأسها بندر بن سلطان، تمسك بملف التعاون الامني والاستخباري بين السعودية واسرائيل، ويمكن لوجودها المؤثر في المشهد السعودي الرسمي أن تحقق لاسرائيل ما تتمناه.

أما على المستوى اللبناني، فقد اتخذ القرار بتفجير لبنان انطلاقا من الشمال، حيث يوجد آلاف المقاتلين من جبهة النصرة والجيش السوري الحر الذين دخلوا مع اللاجئين، ومنهم من قدم مؤخرا من منطقة القصير عندما اشتد عليهم القصف وأزيز الرصاص. ولعل إطلاق الصواريخ على الضاحية الجنوبية واشتباك حزب الله مع جبهة النصرة في بعلبك وقتل 17 منهم اليوم كانوا ينصبون منصات الصواريخ اليوم الأحد، هي بداية لتصعيد سيشهد تطورا أكبر في القادم من الأيام. وقد تبين أن السفير السعودي في لبنان لا يكتفي بدفع ثمن معالجة جرحى التكفيريين القادمين من سورية في المستشفيات اللبنانية، بل يمول ويسلح عديد الخلايا التكفيرية النائمة في انتظار أن يصدر الأمر من بندر بن سلطان.

أما على المستوى السوري، فرفع الإتحاد الأوروبي الحضر عن تسليح المعارضة، وزيارة ‘جون ماكين’ للشمال السوري، وتكفير القرضاوي للنظام العلوي النصيري في سورية ولحزب الله في لبنان، كلها تدخل في إطار ضخ المزيد من الإرهابيين والسلاح لخلق ظروف حروب أهلية طاحنة تعصف بالمنطقة من العراق إلى لبنان مرورا بسورية. هذه خطة أصبحت واضحة، ويتم العمل على تنفيذها ليل نهار لتفجير الأزمة الطائفية على مستوى المنطقة حتى لا يقوم لحلف الممانعة والمقاومة قائمة لسنين عديدة قادمة، يقدرها خبراء غربيون بعشر سنوات على الأقل.

حلف المنتصرين من جهته أعد العدة لهذه الخطط، وقرر قلب الطاولة على الجميع وجر إسرائيل مرغمة إلى مواجهة عسكرية يتم التحضير لها. والذين يتحدثون عن أن صواريخ “S 300″ لم تصل بعد إلى سورية وأن الأمر يتطلب أشهرا حتى يتم تركيبها وتدريب الجيش السوري على تشغيلها إنما يتحدثون في الوقت الضائع بما لا يعلمون. ذلك أن روسيا وسورية ليسوا أغبياء لكشف أوراق قوتهم العسكرية للإعلام، وقد كان واضحا من خلال كلام الرئيس بشار السد ونبرة الثقة العالية التي كان يتحدث بها لقناة المنار في حواره الأخير، أن سورية حصلت على هذه المنظومة بالفعل، ولم يعد لديها ما تخافه أو تخسره من المواجهة المقبلة مع إسرائيل.

وفي هذا الصدد، كشفت قناة ‘روسيا اليوم’ هذا الأسبوع نقلا عن مسؤول روسي رفيع لم يكشف عن إسمه، أنه عند وصول الرئيس الصهيوني ‘نتنياهو’ إلى مسوكو للإجتماع بالرئيس ‘بوتن’ قصد ثنيه عن تزويد سورية بهذه المنضومة الكاسرة للتوازن، اتصل وزير الخارجية ‘سيرغي لافروف’ برئيس المخابرات الروسية ليسأله عن الموضوع، فكان جواب هذا الأخير: “المنظومة وصلت إلى سورية قبل أن تحط طائرة ‘نتنياهو’ في مطار موسكو”. هذا علما أن لسورية منظومات أخرى ضد الطيران وصواريخ كاسرة للتوازن مثل ‘إسكندر’ منصوبة وجاهزة للعمل، بالإضافة لأسلحة متطورة لم يتم الكشف عنها، لأن روسية كعادتها تراهن على السرية لحسم المعارك وكسبها وعدم إعطاء العدو فرصة الإعداد الجيد لمواجهتها، كما حدث في حرب تموز 2006. ويشار في هذا الصدد إلى أن الجيش العربي السوري بمساعدة خبراء روس في الميدان جاهزون لكل الإحتمالات وينتظرون فقط أن يصدر أمر العمليات بالتنسيق بين موسكو ودمشق. وبالتالي، فالجيش السوري لا يحتاج لتدريب ولا من يحزنون، لأن التدريب قد تم في روسيا قبل أن تصل المنظومات المتطورة الجديدة إلى سورية، كما إن تشغيلها يتم بالتعاون بين الجانبين. وقد أكدت تقارير غربية وجود آلاف الخبراء الروس في الميدان.

ووفق المعلومات المتوفرة، فما ينتظره الرئيس بشار الأسد هو أن يكمل حزب الله تدريب كتائب المجاهدين السوريين والفلسطينيين، الذين يخضعون اليوم لدورات مكثفة في حرب العصابات قبل أن يتوجهوا للجولان لبدأ عمليات المقاومة النوعية التي ستجر إسرائيل لفخ الحرب المعدة لها قبل أن تفكر بالإقدام على ضرب إيران.. حينها ستنفجر الحدود السورية واللبنانية مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، وستتغير خريطة المنطقة إلى الأبد كما وعد السيد حسن نصر الله ذات خطاب، لتسقط وإلى الأبد حدود ‘سايس و بيكو’ الوهمية في المنطقة.

العاصفة قادمة فلا تستعجلوها…

المصدر : نشرة اللؤلؤة البحرينية

Copyright 2006-2012 - Arabic.Aviny.com - All rights reserved