الامام الحسين (عليه السلام)؛ نور لن یطفئ
من المؤسف المؤلم حقاً أن يوجد بين شباب المسلمين اليوم من يعرفون الكثير عن
أقطاب الشرق والغرب والكثير من أحوال الشخصيات الأجنبية وسيرتهم وحياتهم .. ولكن لا
يعرفون إلا القليل وقد لا يعرفون شيئاً أصلاً عن أحوال نبيهم ورجال دينهم وقادة
الإسلام . وهذا أوضح دليل على أن هؤلاء الشباب قد ابتعدوا عن الإسلام كثيراً من حيث
يشعرون أو لا يشعرون .
نسبه :
فنقول لهؤلاء وما الذی تعرفونه عن الحسين عليه السلام صاحب تلك النهضة العظيمة
والثورة المدهشة التی ستقرؤون بعض فصولها وتعرفون بعض تفاصيلها فی مواضيع هذا
الكتاب ؟. إذ من المعلوم أن الأعمال لا تقدر إلا بمقدار أصحابها ولا تكتسب الأهمية
والعظمة إلا من عظمة أهلها . فالحسين (ع) هو أشرف انسان فی الدنيا من حيث النسب .
فهو الإمام ابن الإمام أخو الإمام أبو الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين.
أبوه الإمام أمير المؤمنين علی بن أبی طالب (ع) وأخوه الإمام الحسن الزكی سيد شباب
أهل الجنة عليه السلام وابنه الإمام علی السجاد زين العابدين عليه السلام ومن ذريته
ثمانية أئمة معصومين .
أما أمه فهی فاطمة الزهراء عليها السلام بنت محمد المصطفى (ص) سيدة نساء العالمين ،
وجده لأبيه هو شيخ البطحاء وكافل رسول الله وناصر الإسلام أبو طاب عليه السلام.
وأما جده لأمه فهو خاتم الأنبياء والمرسلين وحبيب إله العالمين محمد بن عبد الله
(ص) . هذا نسب الحسين (ع) فأی إنسان فی العالم جمع نسباً شريفا كهذا النسب الشريف .
أضف الى هذا النسب الشريف مقامه الراقی عند الله تعالى ومنزلته العليا فی الاسلام
فهو عليه السلام :
أولا : ثالث أئمة أهل البيت الاثنی عشر الذين عناهم الله تعالى بقوله «وجعلناهم
أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا اليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا
لنا عابدين ...» (الأنبياء) ، وثالث أولی الأمر الذين أمرنا الله تعالى باطاعتهم
فقال «ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولی الأمر منكم ...» وفی
إمامته وإمامة أخيه الحسن نص نبوی متواتر وهو قوله (ص) : الحسن والحسين إمامان قاما
أو قعدا ...
ثانيا : فهو عليه السلام أحد أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراًَ
كما هو صريح آية التطهير . أی أنه (ع) خامس المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام ،
محمد وعلی وفاطمة والحسن والحسين والأئمة التسعة من ذرية الحسين صلوات الله عليهم
أجمعين .
ثالثا : هو عليه السلام أحد العترة الذين قرنهم رسول الله بكتاب الله العزيز وأحد
الثقلين اللذين خلفهما فی هذه الأمة حيث قال إنی مخلف فيكم الثقلين كتاب الله
وعترتی أهل بيتی..
رابعا : انه عليه السلام أحد الأربعة الذين باهل بهم النبی (ص) نصارى نجران وهو أحد
المعنين بقوله تعالى« وأبنائنا وأبنائكم »..
وهكذا إلى غير ذلك مما لا يسع المقام إحصائه من فضائله ومناقبه عليه السلام .
ولادته :
لقد ولد الحسين (ع) فی الثالث من شهر شعبان المبارك السنة الرابعة للهجرة فی
المدينة المنورة وسماه رسول الله (ص) حسيناً كما سمى أخاه من قبل حسناً ولم يسم
بهذين الاسمين أحد من العرب قبلهما وكان رسول الله (ص) يحبهما حباً شديداً ويقول
هما ريحانتای من الدنيا اللهم إنی أحبهما وأحب من يحبهما .
وقد قام بنفسه بتربيتهما حتى تركهما نموذجين مثاليين ومثلين كاملين للمسلم القرآنی
الذی يريده الاسلام فكانا بذلك القدوة العليا لكل إنسان فی الدنيا وفی كل صفات
الانسانية وشرائطها . ومن ثم منحهما النبی (ص) مقام السيادة على كافة شباب الجنة
كما هو نص الحديث الشريف المتواتر : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة . ومعلوم أن
السيادة فی عرف الاسلام تعنی الأفضلية والأكملية والتفوق فی العلم والعمل الصالح .
ولا شك أن المراد بشباب الجنة هو كل أهل الجنة قاطبة ما عدا جدهما المصطفى وأبيهما
علی المرتضى اللذين خرجا من تحت هذا العموم بأدلة خاصة أخرى .
فهما سيدا أهل الجنة جميعاً لأن كل من فی الجنة شباب ليس فيهم شيخ ولا كهل ولا عجوز
حسب ما ورد فی النصوص .
وبناء على ما سبق يكون الحسين (ع) قد عاش مع جده رسول الله (ص) ست سنوات وعاش بعده
أحدى وخمسين سنة فكان عمره الشريف يوم شهادته نحواً من سبع وخمسين سنة وقيل ثمانية
وخمسين سنة بناء على أن ولادته كانت سنة ثلاث من الهجرة . قضاها فی عبادة الله
وطاعة رسوله وخدمة الناس وختمها بأعظم تضحية عرفها التاريخ حتى الآن ، من حيث
القدسية والشرف .
كان عليه السلام أكثر الناس علما وأفضلهم عملا وأسخاهم كفاً وأحسنهم خلقاً وأوسعهم
حلما وأكرمهم نفسا وأرقهم قلبا وأشدهم بأساً وشجاعة هذه كلها حقائق ثابتة بالاجماع
ومتواترة بين المؤرخين وأهل السير يعترف له بها حتى الأعداء .
اولاده :
فالذكور منهم أربعة وهم علی الأكبر (ع) الشهيد . وعلی السجاد الامام زين العابدين
(ع) . وعلی الأصغر وهو طفل رضيع ، وعبد الله وهو طفل رضيع أيضاً وهؤلاء الأربعة
لأمهات شتى لا لأم واحدة . فعلی الأكبر (ع) أمه ليلى بنت مرة بن مسعود الثقفی .
وعلی السجاد الامام أمه شاه زنان بنت الملك يزدجرد بن اردشين بن كسرى ملك الفرس
وعبد الله أمه الرباب بنت امرء القيس الكلبی وقد قتلوا جميها يوم عاشوراء ما عدا
الإمام زين العابدين الذی نجا بسبب مرضه ودفاع عمته زينب كما سنعرفه إن شاء الله .
وأما الاناث منهم فأربعة وهی سكينة ، وفاطمة الكبرى ، وفاطمة الصغرى ، ورقية ،
وكلهن مع الحسين (ع) فی كربلاء ما عدا فاطمة الكبرى فان الحسين (ع) تركها فی
المدينة لمرضها.
اخوته :
إن اخوة الحسين كثيرون غير أن اللذين كانوا معه فی كربلاء هم ستة فقط وهم العباس بن
علی (ع) وأشقاؤه الثلاثة جعفر وعبد الله وعثمان أمهم فاطمة بنت حزام بن خالد
الكلابية المكناة بأم البنين (ع) ثم محمد بن علی قيل اسمه عبد الله (ع) وكان يكنى
بأبی بكر ، وأمه ليلى بنت مسعود بن خالد التميمی ، ثم عمر بن علی (ع) وأمه غير
مشخصة فی التاريخ . وقيل أنه كان أيضا مع الحسين أخ له يسمى محمد الأصغر وأمه أم
ولد .
فهؤلاء ستة أو سبعة من اخوة الحسين (ع) استشهدوا بين يديه يوم عاشوراء وكان أفضلهم
وأجلهم أبو الفضل العباس (ع) وهو اكبر الهاشميين سناً يوم كربلاء ما عدا الحسين (ع)
حيث كان عمره أربعا وثلاثين سنه . لذا اختاره الحسين (ع) حاملا لرايته العظمى وعبر
عنه بكبش الكتيبة . وكان (ع) وسيما جسيما طويل القامة وجهه كفلقة قمر ومن هنا كان
يلقب بقمر الهاشميين وهو آخر من قتل قبل الحسين (ع) يوم عاشوراء . وكان لقتله صدمة
عنيفة فی نفس الحسين (ع) عبر عنها بقوله حين وقف على مصرعه «الآن انكسر ظهری وقلت
حيلتی وشمت بی عدوی» وبان الانكسار فی وجهه وبكى عليه.
وقد نوّه بفضله عليه السلام عدد من الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم ومنهم أبوه
أمير المؤمنين (ع) حيث قال فيه : ان ابنی العباس زق العلم زقا . ثم الامام زين
العابدين (ع) الذی قال عنه : رحم الله عمی العباس لقد جاهد يوم كربلاء وأبلى بلاء
حسنا حتى قطعت يداه ومضى شهيدا وقد أبدله الله عن يديه بجناحين يطير بهما فی الجنة
مع الملائكة كما أعطى جعفر بن أبی طالب بموته . ثم الامام جعفر بن محمد الصادق (ع)
القائل فی جملة تصريح له ألا وان لعمی العباس عند الله لدرجة يغبطه عليها جميع
الشهداء يوم القيامة . وما دفنه الامام زين العابدين (ع) وحده بمكان مصرعه إلا
تنويها بفضله وعلو مقامه بين بنی هاشم كما ان دفنه لحبيب بن مظاهر الأسدی (ره) فی
قبر منفرد كان لهذا الغرض أی التنويه بفضل وعلو مقام حبيب بين باقی الأصحاب رضوان
الله عليهم . وبصورة عامة فشهداء كربلاء جميعا هم أفضل الشهداء فی الدنيا من أولها
إلى آخرها بعد الأنبياء والأئمة عليهم السلام . هم أفضل الشهداء والقتلى الاولى ...
مدحوا بوحی فی الكتاب مبين .
أسباب ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) :
أحاطت بالإمام الحسين ( عليه السلام ) عِدَّة من المسؤوليات الدينية والواجبات
الاجتماعية وغيرها من الأسباب المُحَفِّزَة لثورته ، فدفعته ( عليه السلام ) إلى
التضحية والفداء .
وهذه بعض تلك المسؤوليات والواجبات والأسباب :الأولى : المسؤولية الدينية :
لقد كان الواجب الدينی يحتم عليه ( عليه السلام ) القيام بوجه الحكم الأموی الذی
استحلَّ حُرُمَات الله ، ونكث عهوده وخالف سنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
الثانية : المسؤولية الاجتماعية :كان الإمام ( عليه السلام ) بحكم مركزه الاجتماعی
مسؤولاً أمام الأمة عما مُنِیَت به من الظلم والاضطهاد من قبل الأمويين ، ومن هو
أولى بحمايتها وَرَدُّ الاعتداء عنها من غيره .
فنهض ( عليه السلام ) بأعباء هذه المسؤولية الكبرى ، وأدى رسالته بأمانة وإخلاص ،
وَضَحَّى ( عليه السلام ) بنفسه وأهل بيته وأصحابه ليعيد عدالة الإسلام وحكم القرآن
.
الثالثة : إقامة الحجة عليه ( عليه السلام ) :وقامت الحجة على الإمام ( عليه السلام
) لإعلان الجهاد ، ومحاربة قُوَى البغی والإلحاد .
فقد تواترت عليه الرسائل والوفود من أهل الكوفة ، وكانت تُحَمِّلُه المسؤولية أمام
الله إن لم يستجب لدعواتهم المُلِحَّة لإنقاذهم من ظلم الأمويين وَبَغیِهِم .
الرابعة : حماية الإسلام :ومن الأسباب التی ثار من أجلها ( عليه السلام ) هی حماية
الإسلام من خطر الحكم الأموی الذی جَهد على مَحْوِهِ ، وقلع جذوره ، فقد أعلن يزيد
الكفر والإلحاد بقوله : لَعِبتْ هاشمُ بِالمُلك فَلا خَبَرٌ جاءَ وَلا وَحْیٌ
نَزَلْ
وكشف هذا الشعر عن العقيدة الجاهلية التی كان يدين بها يزيد فهو لم يؤمن بوحی ولا
كتاب ، ولا جَنَّة ولا نار .
الخامسة : صيانة الخلافة :ومن أَلمع الأسباب التی ثار من أجلها ( عليه السلام )
تطهير الخلافة الإسلامية من أرجاس الأمويين الذين نَزَوا عليها بغير حق .
فلم تعد الخلافة - فی عهدهم كما يريدها الإسلام - وسيلة لتحقيق العدل الاجتماعی بين
الناس ، والقضاء على جميع أسباب التخلف والفساد فی الأرض .
وقد رأى الإمام ( عليه السلام ) أن مركز جَدِّهِ قد صار إلى سِكِّيرٍ مُستَهترٍ لا
یَعی إلا شهواته ورغباته ، فثار ( عليه السلام ) ليعيد للخلافة الإسلامية كيانها
المُشرِق وماضيها الزاهر .
السادسة : تحرير إرادة الأمة :ولم تملك الأمة فی عهد معاوية ويزيد إرادتها
واختيارها ، فقد كُبِّلَتْ بقیُودٍ ثقيلة سَدَّت فی وجهِهَا منافذ النور والوَعی ،
وَحِيلَ بينها وبين إرادتها .
وقد هَبَّ الإمام ( عليه السلام ) إلى ساحات الجهاد والفداء ، لِیُطعِم المسلمين
بروح العِزَّة والكرامة ، فكان مقتله ( عليه السلام ) نُقطَةَ تَحَوُّلٍ فی تاريخ
المسلمين وحياتهم .
السابعة : تحرير اقتصاد الأمة :ومن الأسباب هو انهيار اقتصاد الأمة الذی هو شرايين
حياتها الاجتماعية والفردية .
فقد عمد الأمويون إلى نهب الخزينة المركزية ، وقد أعلن معاوية أمام المسلمين أن
المال مال الله ، وليس مال المسلمين فهو أحق به ، فثار ( عليه السلام ) ليحمی
اقتصاد الأمة ، ويعيد توازن حياتها المعاشية .
الثامنة : المظالم الاجتماعية :انتشرت المظالم الاجتماعية فی أنحاء البلاد
الإسلامية ، فلم یَعُد قَطَرٌ من الأقطار إلا وهو یَعُجُّ بالظلم والاضطهاد من
جَورِهِم .
فهب الإمام ( عليه السلام ) فی ميادين الجهاد ليفتح للمسلمين أبواب العزة والكرامة
، ويحطم عنهم ذلك الكابوس المظلم .
التاسعة : المظالم الهائلة على الشيعة :لقد كانت الإجراءات القاسية التی اتخذها
الحكم الأموی ضد الشيعة من أسباب ثورته ( عليه السلام ) ، فَهَبَّ لإنقاذهم من
واقعهم المَرِير ، وحمايتهم من الجَورِ والظلم .
العاشرة : محو ذكر أهل البيت ( عليهم السلام ) :ومن ألمع الأسباب أيضاً التی ثار من
أجلها ( عليه السلام ) هو أن الحكم الأموی قد جهد على محو ذكر أهل البيت ( عليه
السلام ) ، واستئصال مَآثِرِهم ومناقبهم ، وقد استخدم معاوية فی هذا السبيل أخبث
الوسائل .وكان ( عليه السلام ) يود أن الموت قد وافاه ، ولا يسمعُ سَبَّ أبيهِ (
عليه السلام ) على المنابر والمآذن .
الحادية عشر : تدمير القِیَم الإسلامية :وعَمِدَ الأمويون إلى تدمير القِیَم
الإسلامية ، فلم یَعد لها أی ظِلٍّ على واقع الحياة الإسلامية .
الثانية عشر : اِنهيار المجتمع :فقد انهار المجتمع فی عصر الأمويين ، وتحلل من جميع
القيم الإسلامية ، فثار ( عليه السلام ) ليقضی على التَذَبْذُبِ والانحراف الذی
مُنِيتْ بِهِ الأمَّة .
الثالثة عشر : الدفاع عن حقوقه ( عليه السلام ) :وانبرى الإمام ( عليه السلام )
للجهاد دفاعاً عن حقوقه التی نهبها الأمويون واغتصبوها .وأهمُّها : الخلافة ، لأنه
( عليه السلام ) هو الخليفة الشرعی بمقتضى معاهدة الصلح التی تم الاتفاق عليها ،
وعلى هذا فلم تكن بيعة يزيد شرعية .
فلم يخرج الإمام ( عليه السلام ) على إمام من أئمة المسلمين ، كما يذهب لذلك بعض
ذوی النزعات الأموية ، وإنما خرج على ظالم مُغتَصِبٍ لِحَقِّهِ .
الرابعة عشر : الأمر بالمعروف :ومن أوْكَد الأسباب التی ثار من أجلها ( عليه السلام
) إقامة الأمر بالمعروف والنهی عن المنكر ، فإنهما من مُقَوِّمَات هذا الدين ،
والإمام ( عليه السلام ) بالدرجة الأولى مَسؤُول عَنهُمَا .
وقد أدلى ( عليه السلام ) بذلك فی وصيته لأخيه ابن الحنفية ، التی أعلن فيها عن
أسباب خروجه على يزيد ، فقال ( عليه السلام ) : ( إِنِّی لَمْ أَخرُجْ أَشِراً وَلا
بَطِراً ، وَلا ظَالِماً وَلا مُفسِداً ، وإنما خرجتُ لِطَلَبِ الإِصلاحِ فِی
أُمَّةِ جَدِّی ، أُرِيدُ أَن آمُرَ بِالمَعرُوفِ وَأَنهَى عَنِ المُنكَر ) .
الخامسة عشر : إِمَاتَة البِدَع :وعمد الحكم الأموی إلى نشر البِدَع بين المسلمين ،
وَالتی لم یُقصَدُ منها إلا مَحْقُ الإِسلام ، وإلحاق الهزيمة به .وقد أشار ( عليه
السلام ) إلى ذلك فی رسالته التی بعثها لأهل البصرة : ( فَإِنَّ السُّنَّةَ قَد
أُمِيتَتْ وَالبِدْعَةَ قَدْ أُحْیِیَتْ ) .
فقد ثار ( عليه السلام ) ليقضی على البِدَع الجاهلية التی تَبَنَّاهَا
الأَمَوِیُّون ، ويحيی سُنَّةَ جَدِّه ( صلى الله عليه وآله ) التی أماتوها ،
ولِیَنشرَ رايةَ الإِسلام .
السادسة عشر : العهد النبوی :واستَشَفَّ النبی ( صلى الله عليه وآله ) من وراء
الغيب ما یُمنَى بِهِ الإسلام من الأخطار الهائلة على أيدی الأمويين ، وأنه لا يمكن
بأی حال تجديد رسالته وتخليد مبادئه إلا بتضحية ولده الحسين ( عليه السلام ) ، فعهد
إليه بالتضحية والفداء وقد أدلى الحسين ( عليه السلام ) بذلك حينما عدله المشفقون
عليه من الخروج إلى العراق فقال ( عليه السلام ) لهم : ( أَمَرَنِی رَسُولُ اللهِ (
صلى الله عليه وآله ) بِأَمرٍ وَأنَا مَاضٍ إِليه ) .
السابعة عشر : العزة والكرامة :ومن أوثق الأسباب التی ثار من أجلها ( عليه السلام )
هی العزة والكرامة ، فقد أراد الأمويون إِرغامَهُ على الذُل والخنوع ، فَأَبَى(عليه
السلام) إِلاَّ أن يعيش عَزيزاً ، وقد أعلن ذلك يوم الطفِّ بقوله ( عليه السلام ) :
( أَلا وَإِنَّ الدعِیَّ ابنَ الدعِیَّ قَد رَكزَ بَينَ اثْنَتَیْنِ ، بَينَ
السلَّةِ وَالذلَّة ، وهَیْهَات مِنَّا الذلَّة ، یَأبَى اللهُ لَنَا ذَلكَ
وَرَسُولُهُ ، وَنُفُوسٌ أَبِیَّةٌ وَأُنُوفٌ حَمیَّةٌ مِن أَنْ نُؤثِرَ طَاعسَة
اللِّئَام عَلى مَصَارِعِ الكِرَام ) .
الثامنة عشر : غدر الأمويين وفتكهم :وأيقن ( عليه السلام ) أن الأمويين لا يتركونه
، ولا تَكفُّ أيديهم عن الغدر والفَتْكِ به حتى لو سَالَمَهُم وبايعهم .وقد أعلن
(عليه السلام ) ذلك لأخيه محمد بن الحنفية : ( لَو دَخَلتُ فِی حِجرِ هَامَة مِن
هَذِهِ الهوَام لاستَخْرَجُونِی حتَّى یَقتُلُونِی ) .
فاختار ( عليه السلام ) أن یُعلنَ الحربَ ويموت مِيتَةً كريمةً تَهزُّ عروشهم ،
وَتقضِی على جبروتِهِم وَطُغیَانِهِم .هذه بعض الأسباب التی حفَّزت الإمام الحسين (
عليه السلام ) إلى الثورة على حكم يزيد .
خروج سفير الإمام الحسين ( عليه السلام ) مسلم بن عقيل إلى الكوفة :
تتابعت كتب أهل الكوفة إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وهی تحثه على المسير
والقدوم إليهم لإنقاذهم من ظلم الأمویِّين وعُنفهم ، وكانت بعض تلك الرسائل
تحمِّلُه المسؤولية أمام الله والأمة إن تأخر عن إجابتهم . ورأى الإمام – قبل كل
شیء – أن يختارَ لِلُقیَاهُم سفيراً له ، یُعرِّفه باتجاهاتهم وَصِدقِ نِیَّاتِهم ،
فإن رأى منهم نیَّة صادقة ، وعزيمة مُصمَّمة ، فيأخذ البيعة منهم ، ثم يتوجّه إليهم
بعد ذلك .
وقد اختار ( عليه السلام ) لسفارتِه ثقتَه وكبيرَ أهلِ بيتِه مسلم بن عقيل ،
فاستجاب له عن رِضىً ورغبة ، وَزوَّدَهُ برسالة وهی : ( مِن الحُسينِ بن عَلی إِلى
مَن بلغهُ كتابی هذا مِن أوليائِه وَشيعَتِه بالكوفة : سلامٌ عليكم ، أما بعد :
فَقَد أتَتْنی كُتُبكُم ، وفهمتُ ما ذكرتُم مِن مَحبَّتِكم لِقُدومِی عَليكم ، وأنا
بَاعثٌ إِليكم بِأخی وابنِ عَمِّی وثِقتی من أهلی مسلم بن عقيل ، لِيعلمَ لِی
كُنْهَ أمْرِكُم ، ويكتبَ إِلیَّ بما یَتبَیَّن له من اجتماعِكُم ، فإن كان أمرُكم
على ما أتَتْنی بِه كُتُبُكم ، وأخبَرَتنی به رُسُلُكم ، أسرعتُ القُدومَ إليكُم
إِن شَاء اللهُ ، وَالسَّلام ) .
وتَسلَّم مسلم الرسالة ، وغادر مكة ليلة النصف من رمضان ، فَصلَّى فی مسجد الرسول (
صلى الله عليه وآله ) ، وَطَاف بِضريحِه ، وَودَّع أهله وأصحابه ، وكان ذلك هو
الوداع الأخير لهم ، واتَّجهَ صَوبَ العِراق ، واستأجر دَليلين من قَيس یَدُلاَّنَه
عَلى الطريق .
وسار مسلم يطوی البيداء ، حتى دخل الكوفة فاختار النزول فی بيت المختار الثقفی ،
لوثوقه منه بإخلاصه للإمام الحسين ( عليه السلام ) وتفانيه فی حبه .وفتح المختار
أبواب داره لمسلم ، وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم ، ودعا الشيعة إلى مقابلته ،
فأقبلوا إليه من كُلِّ حَدبٍ وصَوب ، وهم يظهرون لَهُ الولاء والطاعة .
وانثَالَت الشيعةُ على مسلم تبايعه للإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وكانت صيغة
البيعة الدعوة إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، وجهاد
الظالمين ، والدفع عن المستضعفين ، وإعطاء المحرومين ، وقِسمَة الغنائم بين
المسلمين بالسویَّة ، وَرَد المَظالم إلى أهلها ، ونصرة أهل البيت ( عليهم السلام )
.
رسالة مسلم للإمام الحسين ( عليه السلام ) :
ازداد مسلم إيماناً ووثوقاً بنجاح الدعوة حينما بايعه ذلك العدد الهائل من أهل
الكوفة ، فكتب للإمام ( عليه السلام ) یَستَحِثّه فيها على القدوم إليهم برسالة هذا
نَصُّها : ( فإنَّ الرائدَ لا يكذب أهله ، وقد بايعنی من أهل الكوفة ثمانية عشر
ألفا ، فَعجِّل حين يأتيك كتابی ، فإن الناس كُلُّهم معك ، ليس لَهم فی آل معاوية
رأی وَلا هَوى ) .
أما موقف النعمان بن بشير – والی الكوفة – من الثورة فقد كان موقفاً يتسم باللِّين
والتسامح ، وقد اتَّهمَهُ الحزب الأموی بالضعف ، أو التضاعف فی حفظ مصلحة الدولة ،
والاهتمام بسلامتها ، فأجابهم : لأَنْ أكونَ ضعيفاً وأنا فی طاعة الله أحَبُّ إلیَّ
من أن أكون قوياً فی معصية الله ، وما كنتُ لأهتك ستراً ستره الله .
ودافع النعمان عن نفسه بأنه لا يعتمد على أية وسيلة تبعده عن الله ، ولا يسلك
طريقاً يتجافى مع دينه ، وقد استبانَ للحزب الأموی ضعف النعمان ، وانهياره أمام
الثورة .
اتصال الحزب الأموی بدمشق :
قام الحزب الأموی باتصال سريع بحكومة دمشق ، وطلبوا منها اتخاذ الإجراءات الفورية
قبل أن يتَّسع نطاق الثورة ، ويأخذ العراق استقلاله ، وينفصل عن التبعية لدمشق .
ومن بين الرسائل التی وفدت على يزيد رسالة عبد الله الحَضْرَمی التی جاء فيها : (
أما بعد : فان مسلم بن عقيل قدم الكوفة ، وبايعته الشيعة للحسين بن علی ، فإن كان
لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قويا ينفذ أمرك ، ويعمل مثل عملك فی عدوك ، فإن
النعمان بن بشير رجلٌ ضعيف ، أو هو یَتَضعَّف ) .
فكتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد والی البصرة هذه الرسالة : ( أما بعد : فإنه كتب
إلیَّ شيعتی من أهل الكوفة یُخبروننی أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لِشَقِّ عصا
المسلمين ، فَسِرْ حين تقرأُ كتابی هذا حتى تأتی الكوفة ، فتطلب ابن عقيل كطلب
الخرزة ، حتى تثقفه فتوثقه ، أو تقتله ، أو تنفيه ، والسلام ) .
فأمر يزيد بِتَولِيةِ عبيد الله بن زياد على الكوفة بدلاً من النعمان بن بشير .وفی
اليوم الثانی لِوصولِه إلى الكوفة خَرجَ مُتقلِّداً سيفه ، ومعتمّاً بعمامة ،
فاعْتَلى أعوادَ المنبر وخطب الناس ، فقال : ( أما بعد : فان أمير المؤمنين ولاَّنی
مِصرَكُم وثغركم وفيئكم ، وأمرنی بإنصاف مَظلومكم ، وإعطاء محرومكم ، وبالإحسان إلى
سامعكم ومطيعكم ، وبالشدة على مُريبكم ، فأنا لِمُطيعكم كالوالد البرَّ الشفيق ،
وسيفی وسوطی على من ترك أمری وخالف عهدی .
ولم یُعرِّض فی خطابه للإمام الحسين وسفيره مسلم ( عليهما السلام ) ، وذلك خوفاً من
انتفاضة الجماهير عليه وهو بعد لم یَحكُم أمره ، وعمد ابن زياد إلى نشر الإرهاب
وإذاعة الخوف .ويقول بعض المؤرخين : إنه لما أصبح ابن زياد بعد قدومه إلى الكوفة
صَال وجَال ، وأرعَد وأبرَق ، وأمسك جماعة من أهل الكوفة فقتلهم فی الساعة ، وقد
عمد إلى ذلك لإِماتَةِ الأعصاب ، وَصَرف الناس عن الثورة .
وفی اليوم الثانی أمر بجمع الناس فی المسجد وخرج إليهم بِزیٍّ غير ما كان يخرج به ،
فخطب فيهم خطاباً عنيفا تَهدَّد فيه وتوعَّد ، فقد قال بعد حمد الله والثناء عليه :
( فإنه لا یُصلح هذا الأمر إلا فی شِدَّة من غير عنف ، ولِينٍّ من غير ضعف ، وأن
آخذ البریء بالسقيم، والشاهِد بالغائب ، والوَلی بالوالی ) .
وبعد أن علم الطاغية بواسطة جواسيسه بأن هانئ بن عروة هو العضو البارز فی الثورة
وأن مسلم قد غَیَّر مكانه من دار المختار إلى دار هانئ ، وأن هانئ يقوم بِدَورٍ
فعَّال فی دعم الثورة ومساندتها بجميع قدراته ، وعرف ابن زياد بأن دار هانئ أصبحت
مركزاً عامّاً للشيعة ، ومَقَرّاً لمسلم بن عقيل ، لم يقم ابن زياد بكبس وتطويق دار
هانئ ، وأحجم عن ذلك لعجزه عسكرياً ، وعدم مقدرته على فتح باب الحرب .
فإن دار هانئ مع الدُور التی كانت محيطة بها كانت تضم أربعة آلاف مقاتل مِمَّن
بايعوا مسلماً ، بالإضافة إلى أتباع هانئ ومكانته المَرمُوقة فی الكوفة ، فلهذا لم
يستطع ابن زياد من القيام بشیء نظراً للمضاعفات السيئة .
خروج الإمام الحسين ( عليه السلام ) من المدينة إلى مكة :
تاريخ الخروج : 27 رجب 60 هـ ، خرج ركب الإمام الحسين ( عليه السلام ) نحو مكَّة
المكرّمة ، وسار معه ( عليه السلام ) نفر من أهل بيته وأصحابه ، وبرفقته نساؤه
وأبناؤه ، وأخته زينب الكبرى ( عليها السلام ) ، يخترقون قلب الصحراء ، ويجتازون
كثبان الرمال .
دوافع الخروج : نذكر منها ما يلی :
1- استبداد واستئثار الأمویِّين بالسلطة .
2- القتل والإرهاب ، وسفك الدماء الذی كانت تنفّذه السلطة الأموية .
3- العَبَث بأموال الأُمَّة الإسلامية ، ممَّا أدَّى إلى نشوء طبقة مترفة على حساب
طبقة محرومة .
4- الانحراف السلوكی ، وانتشار مظاهر الفساد الاجتماعی .
5- غياب قوانين الإسلام فی كثير من المواقع المُهمَّة ، وتحكُّم المِزاج والمصلحة
الشخصية .
6- ظهور طبقة من وضَّاع الأحاديث والمحرِّفين لسُنَّة النبی ( صلى الله عليه وآله )
، وذلك لتبرير مواقف السلطة .
خروج الإمام الحسين ( عليه السلام ) من مَكة إلى العراق
على أثر الرسائل الكثيرة التی أرسلها أهل الكوفة إلى الإمام الحسين ( عليه السلام )
عندما كان فی مكة المكرمة ، اِرتأى ( عليه السلام ) أن یُرسِل مندوباً عنه إلى
الكوفة .
فوقع الاختيار على ابن عمه مُسلم بن عقيل ( عليه السلام ) ، لتوفر مستلزمات التمثيل
والقيادة به . ومنذ وصوله إلى الكوفة راحَ يجمع الأنصار ، ويأخذ البَيعة للإمام
الحسين ( عليه السلام ) ، ويوضِّح أهداف الحركة الحسينية ، ويشرح أهداف الثورة
لزعماء الكوفة ورجالاتها .
فأعلَنَت ولاءَها للإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وعلى أثر تلك الأجواء المشحونة ،
كتب مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين ( عليهما السلام ) یَحثُّه بالمسير والقدوم إلى
الكوفة .
فتسلَّم الإمام الحسين ( عليه السلام ) رسالة مسلم بن عقيل وتقريره ، عن الأوضاع
والظروف السياسية ، واتجاه الرأی العام .فقرر الإمام ( عليه السلام ) التوجُّه إلى
العراق ، وذلك فی اليوم الثامن من ذی الحجة ( يوم التروية ) 60 هـ .
ويعنی ذلك أنَّ الإمام ( عليه السلام ) لم یُكمِل حَجَّه بِسببِ خُطورَةِ الموقف ،
لِیُمارس تكليفه الشرعی فی الإمامة والقيادة .فجمع الإمام الحسين ( عليه السلام )
نساءه ، وأطفاله ، وأبناءه ، وأخوته ، وأبناء أخيه ، وأبناء عُمومَته ، وشدَّ (
عليه السلام ) الرحَال ، وقرَّر الخروج من مكة المكرَّمة .
فلما سرى نبأ رحيله ( عليه السلام ) ، تَملَّكَ الخوفُ قُلوبَ العَديد من مُخلصِيه
، والمشفِقين عليه ، فأخذوا يتشبَّثون به ويستشفعون إليه ، لعلَّه يعدل عن رأيه ،
ويتراجع عن قراره .إلاَّ أنَّ الإمام ( عليه السلام ) اعتذرَ عن مطالباته بالهدنة ،
ورفضَ كُل مَساعی القعود والاستسلام .
والمُتَتَبِّع لأخبار ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، یَجدُ أنَّ هناك سِرّاً
عظيماً فی نهضته .ويتوضح هذا السر من خلال النصيحة التی قُدِّمت للإمام ( عليه
السلام ) من قِبَل أصحابه وأهل بيته ، فكلُّهم كانوا يتوقَّعون الخيانة وعدم الوفاء
بالعهود التی قطعها له أهل الكوفة .
وندرك هنا أن للإمام الحسين ( عليه السلام ) قراراً وهدفاً لا یُمكِن أن يتراجع عنه
، فقدْ كان واضحاً من خلال إصراره وحواره أنَّه ( عليه السلام ) كان متوقِّعاِ
للنتائج التی آل إليها الموقف ، ومشخِّصاً لها بشكل دقيق ، إلاَّ أنه كان ينطلق فی
حركته من خلال ما یُملِيه عليه الواجب والتكليف الشرعی .
ونجد ذلك واضحاً فی خُطبَتِه حيث قال ( عليه السلام ) : ( الحَمدُ للهِ ، ومَا شاءَ
الله ، ولا قُوَّة إلاَّ بالله ، خُطَّ المَوتُ على وِلدِ آدم مخطَّةَ القِلادَة
على جِيدِ الفَتاة ، وما أولَهَنی إلى أسْلافی اشتياقَ یَعقُوبَ إلى يوسف ، وخيرٌ
لی مَصرعٌ أنا لاقيه ، كأنی بأوصالی تقطِّعُها عسلان الفلوات بين النَّواوِيسِ
وكَربلاء ، فيملأن أكراشاً جوفا ، وأحوية سغباً .
لا مَحيصَ عن يوم خُطَّ بالقلم ، رِضا الله رِضَانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ،
ويوفِّينا أجورنا أجور الصابرين ، لن تشذّ عن رسول الله لَحمته ، وهی مجموعة له فی
حظيرة القدس ، تقرُّ بهم عَينه ، وينجزُ بهمْ وَعدَه .
من كان باذلاً فِينَا مهجتَه ، وموطِّناً على لِقَاء الله نفسه ، فلْیَرْحَل مَعَنا
، فإنِّی راحلٌ مُصبِحاً إن شاء الله ) مقتل الإمام الحسين للسیّد ابن طاووس : 23 .
إذن فكلُّ شیء واضحٌ أمام الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وهو مُصمِّم على الكفاح
و الشهادة ، فليس النصر يحسب دائماً بالنتائج الآنیَّة المادِّیَّة ، فقد يحتاج
الحدَث الكبير إلى فترة زمنية طويلة ، حيث يتفاعل فيها جملة من الحوادث والأسباب ،
ليعطی نتائجه .
وهذا ما حدث بالفعل بعد استشهاد الإمام ( عليه السلام ) ، إذ ظَلَّت روح المقاومة
تغلی فی نفوس أبناء الأمَّة .واستمرَّتْ بعد موت يزيد ، حتى قَضَتْ على كِيان الحكم
الأموی تلك الروح التی كانت شعاراً لِكلِّ ثائر فی سبيل التحرُّر من الظُلم
والطغيان .
صوم يوم عاشوراء فی نظر الشيعة
لا ريب فی أن استعمال كلمة ( عاشوراء ) ينصرف إلى يوم العاشر من شهر مُحرَّم الحرام
، وهو ذكرى شهادة الإمام الحسين ( عليه السلام ) .وقد نصَّ اللُّغويون على أنَّ هذا
الاسم اِسمٌ إسلامی ، ولم يكن یُعرف فی الجاهلية ، وعليه فكيف نفسر ما جاء فی الخبر
:عن عائشة قالت : كان يوم عاشوراء تَصومُه قريش فی الجاهلية , وكان رسول الله يصومه
فی الجاهلية ، فلما قدم المدينة صامه ، وأمر بصيامه , فلما فُرِض رمضان ترك يوم
عاشوراء , فمن شاءَ صَامَه ، ومن شاء تركه .
وكأنها عَلَّلَتْ صومهم فيه فی خبر آخر عنها : قالت : كانوا يصومون عاشوراء قبل أن
یُفرَض رمضان , وكان يوماً تُستَر فيه الكعبة .فلما فرض الله رمضان قال رسول الله :
( من شاء أن يصومه فَليصُمْه , ومن شاء أن يتركه فَلْيترُكه ) ، فكيف نوفِّق بين
هذا الكلام وبين ما أقرَّهُ اللُّغَويون من أن اسم عاشوراء اِسمٌ إسلامی ، لم یُعرف
فی الجاهلية ؟
وإذا كانوا يصومونه لأنه كان يوماً تُستَر فيه الكعبة , فلماذا أضيف إلى وصف
اللَّيلة ( عاشوراء ) ، ولم تكن الكعبة تستر فی اللَّيل قطعاً ؟ أم هل وصفوا اليوم
المذكَّر بصفة التأنيث ؟ فالعجب من العرب كيف غاب عنهم هذا ؟
والجاهلية هی عهد ما قبل الإسلام , فإذا كان النبی ( صلى الله عليه وآله ) يصوم يوم
عاشوراء فی الجاهلية ، فلماذا تركه بعد الإسلام ؟ فلو كان تركه لمخالفة المشركين
فلماذا رجع إليه بعد الهجرة ؟ هذا ما روی عن عائشة ، وتلك هی التساؤلات التی تفرض
نفسها بلا جواب شافٍ وكافٍ .
فضل البكاء على الإمام الحسين ( عليه السلام )
إن مكانة الإمام الحسين ( عليه السلام ) لا ينكرها إلا معاند ، فشأنه ( عليه السلام
) عند الله تعالى يتجلَّى بما ورد إلينا من الرويات فی العلامات التی ظهرت فی الكون
، وعَبَّرَت عن الغضب الإلهی بعد قتلته ( عليه السلام ) ، مِنْ أنَّ الله تعالى قد
أوحى إلى نبيه ( صلى الله عليه وآله ) بأنه عزَّ وجلَّ إذا كان قد انتقم لِدَم يحیى
( عليه السلام ) بقتل سبعين ألف ، فَسَوف ينتقم لدم الإمام الحسين ( عليه السلام )
بسبعين ألف وسبعين ألف .
وقد أجاب الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) بما دَلَّ من القرآن على استمرار
حُزن يعقوب عند رَدِّه على من أشكل عليه باستمرار حزنه على أبيه ، كما أورده أبو
نعيم الأصفهانی عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) فی ( حلية الأولياء 3 / 162 ) ،
عن كثرة بكاء الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) فقال ( عليه السلام ) : ( لا
تلومونی ، فإنَّ يعقوب فَقَدَ سِبطاً مِن ولده، فبكى حَتَّى ابيضَّتْ عيناه، ولم
یَعلَم أنه مات، وقد نظرتُ إلى أربعة عشر رجلاً من أهـل بيتی فی غزاة واحدة،
أفَتَرَون حزنهم يذهب مِن قَلبی ؟ ) .
وسئل الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن أجر النائحة ، فقال : ( لا بأس ، قَد نيح
على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) .
وفی حديث آخر : ( لا بأس بِكَسب النائحة إذا قالتْ صِدقاً ) .
فضل زيارة الإمام الحسين ( عليه السلام )
جاءَت روايات كثيرة فی فضل زيارة الإمام الحسين ( عليه السلام ) بل فی وجوبها ،
منها :
1 - قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( مَنْ زَارَ الحسينَ بَعد مَوتِه
فَلَهُ الجَنَّة ) تهذيب الأحكام 6 / 40 ح 84 .
2 - روی عَن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( زِيارَةُ الحُسين بن علی (
عليهما السلام ) واجبة على كل من يقرُّ للحسين بالإمامة من الله عزَّ وجلَّ ) كامل
الزيارات : 121 .
3 - وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) أيضاً : ( زِيارةُ الحسين ( عليه السلام )
تعدل - أی تعدل بثوابها - مِائة حَجَّة مَبرورة ، ومِائة عمرة مُتَقَبَّلَة ) كامل
الزيارات : 142 .
4 - روی أنَّ النبی ( صلى الله عليه وآله ) كان ذات يوم جالساً ، وحوله علی وفاطمة
والحسن والحسين ( عليهم السلام ) ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) لهم : ( كَيفَ
بِكُم إذا كُنتُم صَرعَى ، وقبورُكُم شتَّى ؟ ) .
فقال له الحسين ( عليه السلام ) : ( أنموتُ مَوتاً أو نُقتَل ؟ ) .
فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( بل تُقتل يا بُنیَّ ظلماً ، ویُقتل أخوك ظُلماً ،
وتُشرَّد ذَرارِيكم فی الأرض ) . فقال الحسين ( عليه السلام ) : ( ومَنْ يقتُلُنا
يا رسولَ الله ؟ ) . فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( شِرَار النَّاس ) .
أربعينية الإمام الحسين ( عليه السلام )
تاريخ الأربعينية : 20 صفر 61 هـ .
زيارة جابر الأنصاری فی الأربعينية :
كان جابر بن عبد الله الأنصاری ( رضوان الله عليه ) ـ من صحابة رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) ـ أوّل من زار قبر الإمام الحسين ( عليه السلام ) بعد مرور أربعين
يوماً من شهادته .
يقول عَطا مولى جابر : كنت مع جابر بن عبد الله الأنصاری يوم العشرين من صفر ،
فلمَّا وصلنا الغاضرية اغتسل فی شريعتها ، ولبس قميصاً كان معه طاهراً ، ثم قال لی
: أمعكَ من الطيب يا عَطا ؟ قلت : معی سُعد ، فجعل منه على رأسه وسائر جسده ، ثم
مشى حافياً حتّى وقف عند رأس الحسين ( عليه السلام ) ، وكبَّر ثلاثاً ، ثم خرَّ
مغشياً عليه ، فلمّا أفاق سَمعتُه يقول : السلام عليكم يا آلَ الله ... (1) .
زيارة سبايا الحسين ( عليه السلام ) فی الأربعينية :
عند رجوع موكب السبايا من الشام إلى المدينة المنوّرة ، وصلوا إلى مفترق طريق،
أحدهما يؤدّی إلى العراق ، والآخر إلى الحجاز ، فقالوا للدليل : مر بنا على طريق
كربلاء .
فوصلوا يوم العشرين من صفر ـ أی يوم الأربعين ـ إلى كربلاء ، فزاروا قبر الحسين (
عليه السلام ) وأهل بيته وأصحابه ، وأقاموا مأتم العزاء ، وبقوا على تلك الحال
أیّاماً .
استحباب زيارة الإمام الحسين ( عليه السلام ) :
لقد أفتى فقهاء الشيعة باستحباب زيارة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، لوجود
روايات وردت عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، تحث شيعتهم وأتباعهم على زيارته
( عليه السلام ) ، لاسیّما فی أوقات مخصوصة .
1ـ قال الإمام العسكری ( عليه السلام ) : ( عَلاماتُ المؤمن خمس : صلاةُ إِحدى
وخمسين ، وزيارةُ الأربعين ، والتخَتُّم فی اليمين ، وتعفير الجَبين ، والجهر بـ(
بِسْم اللهِ الرحمن الرحيم )) (3) .
2ـ قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( وليس من ملك ولا نبی فی السماوات إلاّ
وهم يسألون الله أن يأذن لهم فی زيارة قبر الحسين ( عليه السلام ) ، ففوج ينزل وفوج
يعرج ) (4) .
3ـ قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( إنّ موسى بن عمران سأل ربّه زيارة قبر
الحسين بن علی ، فزاره فی سبعين ألف من الملائكة ) (5) .
4ـ قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( وكلّ الله بقبر الحسين أربعة آلاف ملكاً
شعثاً غبراً يبكونه إلى يوم القيامة ، فمن زاره عارفاً بحقّه ، شیّعوه حتّى يبلغوه
مأمنه ، وإن مرض عادوه غدوة وعشياً ، وإذا مات شهدوا جنازته ، واستغفروا له إلى يوم
القيامة ) (5) .
5ـ قال الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ( مروا شيعتنا بزيارة الحسين ، فإنّ زيارته
تدفع الهدم والحرق والغرق ، وأكل السبع ، وزيارته مفترضة على من أقر له بالإمامة من
الله ) (5) .
6ـ قال الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : ( من زار قبر الحسين عارفاً بحقّه ، غفر
الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ) (5) .
دروس من واقعة كربلاء
العبر والدروس من واقعة كربلاء لا يمكن حصرها ، ولكن يمكننا أن نقول أنها علَّمتنا
ما يلی من الدروس :
الدرس الأول : أن نثأر لله وحده ، لا لانتسابات الأرض ، وانتماءاتها ، وعصبياتها ،
وصيحاتها ، وجاهلياتها .
الدرس الثانی : أن نعطی الدم من أجل أن يبقى الإسلام وحده ، لا أن تبقى نظريات
الإنسان ، وحزبياته ، وشعاراته ، وزيفه .
الدرس الثالث : أن ننتصر للدين ، وللمبدأ ، وللعقيدة ، لا للعصبيات ، والقوميات ،
والعناوين التی صاغتها ضلالات الإنسان ، وأهواءه .
الدرس الرابع : أن نحمل شعار القرآن .
الدرس الخامس : أن نرفض الباطل ، والزيف ، والفساد ، والضلال ، وأن نرفض كل ألوان
الانحراف الأخلاقی ، والثقافی ، والاجتماعی ، والسياسی .
الدرس السادس : أن نكون الصرخة التی تواجه الظلم والظالمين ، وتواجه البغی والباغين
، وتواجه الطغيان والطاغين ، وتواجه الاستكبار والمستكبرين .
الدرس السابع : أن نكون المبدئيين الأقوياء الذين لا يساومون ، ولا يتنازلون ، ولا
يسترخون ، كقوله تعالى : ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَیْنَهُمْ )
الفتح : 29 . ولا تعنی المبدئية والصلابة أن لا نعيش المرونة والانفتاح والشفّافية
فی حواراتنا مع الآخرين .
الدرس الثامن : أن نعيش الصمود والثبات فی مواجهة كل التحديات ، التحديات الفكرية ،
والثقافية ، والنفسية ، والاجتماعية ، والسياسية ، والإعلامية .
الحسينيون الحقيقيون لا يعرفون الانهزام ، والتراجع والتخاذل ، والضعف والخور ، فهم
الثابتون الصامدون ، الذين يملكون عُنفُوَان العقيدة ، وصلابة الإيمان ، وإباء
المبدأ ، وشموخ الموقف .
الدرس التاسع : أن نحمل شعار الجهاد والشهادة ، وأن نكون المجاهدين الصادقين فی
سبيل الله ، نجاهد بالكلمة ، ونجاهد بالمال ، ونجاهد بالروح . فلسنا حسينیِن إذا لم
نحرك المالَ فی خط الدعوة ، والخير ، والجهاد .
ولسنا حسينيين إذا لم نحمل الأرواح على الأكُفِّ ، وإذا لم نكن عُشَّاقاً للشهادة ،
وإذا لم نسترخص الدم من أجل المبدأ والعقيدة . فالسائرون فی خط الحسين ( عليه
السلام ) هم الذين يحملون شعار الحسين ( عليه السلام ) : ( لا أرَى المَوتَ إِلاَّ
سَعَادَة والحَياةَ مَع الظالمينَ إِلاَّ بَرَمَا ) .
والسائرون على خط الحسين ( عليه السلام ) هم الذين يحملون شعار علی الأكبر ( عليه
السلام ) : ( لا نُبَالی أنْ نَمُوتَ مُحِقِّينَ ) . والسائرون على خط الحسين (
عليه السلام ) هم الذين يحملون شعار العباس ( عليه السلام ) : ( وَاللهِ إِنْ
قطعتُموا یَمينی إِنِّی أُحَامی أبداً عن دِينی وَعَن إِمامٍ صَادقِ الیَقينِ ) ،
والسائرون على خط الحسين ( عليه السلام ) هم الذين يحملون شعار القاسم ( عليه
السلام ) : ( المَوتُ فيكَ يا عَم أحلَى مِنَ العَسَل ) .
الدرس العاشر : أن نكون المتدينين الحقيقين ، وأن نكون الذين يملكون بصيرة الدين
والعقيدة ، وبصيرة الإيمان ، والمبدأ ، ونقاوة الانتماء ، والالتزام ، وأن لا نكون
من أولئك الذين يحملون بَلادَة الدين والعقيدة ، وغباء الإيمان والمبدأ وأن لا نكون
النفعیِّين المَصلحیِّين المتاجرين بالدين ، والمساومين على حساب المبدأ .
الدرس الحادی عشر : أن نكون إِمَّا الحسينیِّين الذی يعطون الدم من أجل المبدأ ، أو
نكون الزينبیِّين الذين يحملون صوت الحسين ( عليه السلام ) .
فالحسين ( عليه السلام ) وشهداء كربلاء فجَّروا الثورة فی يوم عاشوراء ، وكان وقود
هذه الثورة دماءهم الطاهرة .(نقلا عن مركز آل البيت العالمی للمعلومات)